الاختلافُ نعمةٌ والكلُّ واحدٌ ||   نسخة للطباعة

نايف إبراهيم: لم يخلقِ اللهُ الكونَ عبثًا بل لغايةٍ ساميةٍ نبيلةٍ، ولم يتركْهُ سُدىً بل ضبطَهُ بنظامٍ حكيمٍ مُحكمٍ. ولو تبصّرْنا بالكونِ لتبدّى لنا أنّهُ بسمائهِ وأرضهِ ومائهِ إنّما صُمِّمَ على الاختلافِ والتكاملِ بينَ مكوّناتهِ الكبيرةِ والصغيرةِ الحيّةِ وغيرِ الحيّةِ. وذلكَ بهدفِ الاستمراريّةِ والإفادةِ والاستفادةِ
 |  15/12/2011


ولو نظرْنا إلى جسمِ الإنسانِ بأعضائهِ الغريبةِ العجيبةِ كيفَ تختلفُ بأشكالِها وأنواعِها وألوانِها وأطوالِها، وكيفَ تتناغمُ بأعمالِها وتتكاملُ بوظائفِها لتكوّنَ كائنًا حيًّا في أجملِ تقويمٍ، وكيفَ أنَّ جسمَ الإنسانِ هوَ صورةٌ مُصغّرةٌ لمجتمعٍ كاملٍ مُتكاملٍ بأفرادِهِ، وذلكَ على اختلافِ أديانِهم ومذاهبِهم ومشاربِهم السياسيّةِ والفكريّةِ،لأدركْنا أنَّ الاختلافَ نعمةٌ إلهيّةٌ يجبُ تقديرُها وتعزيزُها في كلِّ زمانٍ ومكانٍ. ولو جاءَ الناسُ مُتطابقينَ بكلِّ ما تقدّمَ لما تنافسوا ولما أبدعوا ولما قامَتْ لهم قائمةٌ.

لقد ميّزَ اللهُ بني الإنسانِ عنْ سائرِ مخلوقاتِهِ بعقلٍ مُفكّرِ ولسانٍ مُعبّرٍ حتّى يُفكّروا ويُدبّروا ويُبدعوا ويتخاطبوا بالتي هيَ أحسنُ، فالكلمةَ الطيّبةُ تُخرجُ الأفعى منَ الوكرِ! والتسامحُ مِنْ شيمِ الكرامِ! وبني البشرِ ليسوا على رأيٍ واحدٍ، ولا على عقيدةٍ واحدةٍ، فلكلٍّ طريقتُهُ في النظرِ إلى الأمورِ وتصوّرِها والحكمِ عليها، بل ما يُرضي الواحدَ قد يسوءُ الآخرَ، وما يستملحُ اليومَ قد يُستقبحُ غدًا، وما يُحبُّ هُنا قد يُكرهُ هُناك. قال الإمامُ علي:"إنَّ معروفَ زمانِنا هذا مُنكرُ زمانٍ قد مضى، ومُنكرُ زمانِنا هذا معروفُ زمانٍ لم يأتِ بعدُ". وقالَ لابروبير الكاتبُ الأخلاقيُّ الشهيرُ: "ما يُعدُّ حقيقةً أمامَ جبالِ البيرينه يُعدُّ خطأً وراءَها". إذًا لا يحقُّ لأحدٍ في معظمِ الأحوالِ أنْ يدعيَ احتكارَ الحقيقةِ، وإدراكَ كُنهِ الأمورِ دونَ غيرِهِ. كما ولا يحقُّ لأحدٍ أنْ يفرضَ على الناسِ أنْ يتقمّصوا أفكارَهُ وآراءَهُ.

ما دامتِ الحالُ كذلكَ أصبحَ التساهلُ والتسامحُ واحترامُ آراءِ ومشاعرِ الآخرينَ أمرًا واجبًا، فقد يكونُ للواحدِ منّا آراءٌ دينيّةٌ أو فلسفيّةٌ أو سياسيّةٌ أعزُّ على قلبِهِ منْ كلٍّ عزيزٍ، بل قد يُضحّي في سبيلِها بمالِهِ وحياتِهِ، فلهُ أنْ يُطالبَ بحرّيّةِ الدفاعِ عنها والاحتجاجِ على كلِّ مَنْ يمتهنُها، وما دامَ لهُ الحقُّ في ذلكَ فليسَ لهُ أنْ يأباهُ على غيرِهِ، فإذا طلبْنا مِنْ غيرِنا أنْ يتفهّمَ آراءَنا، وجبَ عليْنا أنْ نكونَ مستعدّينَ لتفهّمِ آرائِهِ، فالأوهامُ في النفوسِ كالمساميرِ في الرؤوسِ، لا يمكنُ التحكّمُ بها واقتلاعُها إلاّ بالحجّةِ الدامغةِ والكلمةِ الطيّبةِ. وليسَ أدلُّ على ذلكَ منْ قصّةِ الريحِ والشمسِ عندَما تراهنَتا على خلعِ معطفِ أحدِ الرعاةِ، فهبّتِ الريحُ قويةً مُزمجرةً، فشعرَ الراعي بالخطرِ المحدقِ بهِ، فتمسّكَ بمعطفِهِ جيّدًا، وكلّما كانتِ الريحُ تزدادُ شدّةً كانَ الراعي يزدادُ تشبّثًا بهِ حتّى أعلنَتِ الريحُ فشلّها، وعندما أرسلَتِ الشمسُ أشعّتَها لطيفةً مُنعشةً، شعرَ الراعي بالدفءِ والأمانِ، فبادر إلى خلعِ معطفِهِ بيدِهِِ.

إنَّ بني البشرِ مجبولونَ منْ طينةِ النقصِ والضعفِ، وذلكَ ليعيشوا مُجتمعينَ مُتآلفينَ، فالتعاونُ والاحترامُ المتبادلُ هما شرطُ الاجتماعِ، وأسُّ الاتّحادِ، وقوامُ التضامنِ، ودعامةُ الوفاقِ الاتّفاقِ، وهيهاتَ أنْ تجدَ أسرةً أو جمعيّةً أو أمّةً يعيشُ أفرادُها في سلامٍ ووئامٍ إلاَ وكانَ الاحترامُ المتبادلُ شعارَها ونهجَها، ولو زالَتْ روحُ المحبّةِ والاحترامِ والتسامحِ منْ بينِ الناسِ لتقوّضَ ركنُ الاجتماعِ، وضاعَ معنى التضامنِ والائتلافِ، ولعاشَ الناسُ أفرادًا مُتقاربينَ بأجسادِهم مُتباعدينَ بأرواحِهم، فلا تقومُ لهم مصلحةٌ فرديّةٌ أو جماعيّةٌ.

لقد اشتهرَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ (مُؤسّسُ الدولةِ الأمويّةِ في دمشقَ) بحلمِهِ، فكانَ يقولُ: "عجبْتُ ممَنْ يطلب أمرًا بالغلبةِ والعنفِ، وهو يقدرُ عليهِ بالحجّةِ واللطفِ، فلو كانَ بيني وبينَ الناسِ شعرةٌ ما انقطعَتْ، فإذا شدّوها أرخيتُها، وإذا أرخوْها شددْتُها" ولا أدلُّ على ذلكَ منْ قصّتِهِ معَ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ الذي كانَ منْ أنصارِ علي بنْ أبي طالبْ، ومنْ ألدِّ أعداءِ معاويةَ، حيثُ كانَ لمعاويةَ أرضٌ بجانبِ أرضِ عبدِ اللهِ في الحجازِ، وكانَ عمّالُ معاويةَ بتلكَ الأرضِ ينتهكونَ حرمةَ أرضِ جارِهِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، فكتبَ لهُ عبدُ اللهِ كتابًا جاءَ فيهِ: "يا معاويةُ إنَّ عمّالَكَ ينتهكونَ حرمةَ أرضي، فانهَهم عنْ ذلكَ وإلاّ كانَ بيني وبينَكَ شأنٌ". لما قرأَ معاويةُ الكتابَ استشارَ ابنَهُ يزيدَ فيهِ فقالَ يزيدُ: "أرى يا أبتِ أنْ تُرسلَ لهُ جيشًا جرّارًا يكونُ أوّلُهُ عندّهُ وآخرُهُ عندّكَ، حتّى يأتوكَ برأسِهِ!" فقالَ معاويةُ: "بل عيرُ ذلكَ خيرٌ منهُ يا بُنيَّ" وأخذَ ورقةً وقلمًا وكتبَ: "إلى جاري العزيزِ عبدِ اللهِ إنَّ ما ساءَكَ ساءني، والدنيا بأسرِها هيّنةٌ عندَ رضاكَ، لذلكَ أقترحُ عليكَ أنْ تضمَّ أرضي بما فيها ومَنْ فيها إلى أرضِكَ والسلام".
عندما اطّلعَ عبدُ اللهِ على كتابِ معاويةَ أخذَ ورقةً وقلمًا وكتبَ: "لقد وقفْتُ على كتابِ أميرِ المؤمنينَ وخليفةِ المسلمينَ، أطالَ اللهُ عمرَهُ، وسدّدَ خُطاهُ، ولا أعدمَهُ الرأي الذي أحلّهُ منْ قريشَ هذا المحلَّ والسلام".

لمّا وقفَ مُعاويةُ على كتابِ عبدِ اللهِ قالَ لابنِهِ يزيدَ: "أرأيْتَ يا بُنيَّ فمَنْ عفا سادَ، ومَنْ حلُمَ عظُمَ، فمَنْ تفهّمَ الناسَ واحترمَهمْ تفهّموهُ وأحبّوهُ واحترموهُ، فإذا ابتليتَ بمثلِ هذا الداءِ فداوهِ بمثلِ هذا الدواءِ".

لقدْ كانَ السيّدُ المسيحُ ينهَى عنْ كُلِّ شدّةٍ وعنفٍ، ويحثُّ على الإرشادِ بالإقناعِ والاستمالةِ بالبرهانِ، ومِنْ أسمى مبادئِهِ في الرفقِ والتسامحِ قولُهُ: "مَنْ كانَ منكم بلا خطيئةٍ فليبدأْ ويرمِها بحجرٍ". والتسامحُ الفكريُّ، تجسّدُهُ حكايةُ ملكِ الفرسِ (سابورَ بنِ أردشيرَ) الذي ظهرَ في عهدِهِ ماني الزنديقُ، والذي راحَ يدعو الناسَ لمذهبِهِ، فعندَما وقعَ الزنديقُ في قبضةِ سابورَ أشارَ عليهِ مُستشاروهُ أنْ يقتلَهُ، فقالَ لهمْ: "إنْ قتلتُهُ بغيرِ حجّةٍ تعاطفَ الناسُ معهُ وقالُوا: إنَّ ملكًا جبّارًا قتلَ عابدًا زاهدًا ! لكنّني سأناظرُهُ بالحجّةِ، وأقنعُهُ بالتي هيَ أحسنُ . وهكذا فعلَ.

خلاصةُ القولِ إنَّ الاختلافَ نعمةٌ، والكلُّ واحدٌ، وطالما أنّنا ننهلُ مِنْ مَعينٍ واحدٍ، فلا ضيرَ مِنِ اختلافِ الكؤوسِ بأحجامِها وأشكالِها وألوانِها.

فلنكنْ كالنخيلِ على الأحقادِ مُرتفعًا       ترميهِ بالحجرِ يرميكَ بالثمرِ
Bookmark and Share
+ أضف تعليق عرض كل التعليقات

عدد تعليقات الزوار (0)

 

روابط متعلقة 























 
مواقع صديقة
مواقع محلية
مواقع عالمية
مواقع خدمات